جريدة إلكترونية
تحت القائمة الرئيسية

”بين ضجيج المجالس وصمت الناس: امتحان الإعلام”

الخبر ليس ما يُقال في القاعات الرسمية، بل ما يحدث خارجها؛ في الشارع، في المصنع، في المدرسة، في المستشفى، حيث تتشكل حياة المواطنين فعلاً. هناك يُولد المعنى الحقيقي للسياسة: في جودة الخدمات، في عدالة الفرص، في كرامة العيش. أما السياسة الفارغة، فهي تلك التي تكتفي بالخطاب وتغفل الفعل، تستهلك الزمن العام دون أن تضيف قيمةً ملموسة.

 

الإعلام القوي، كما تعلّمناه، لا يُقاس بعدد المؤتمرات التي ينقلها، بل بقدرته على مساءلة السلطة أيًا كانت، وعلى كشف الفجوة بين الوعود والواقع. هو إعلام يطرح الأسئلة الصعبة بدل أن يكتفي ببث الإجابات الجاهزة. يذهب إلى حيث يتألم الناس، لا إلى حيث تُصفّق القاعات. يختصر ساعات الخطابة في دقائق من التحليل العميق، ويستبدل لغة الشعارات بلغة الأرقام والوقائع.

 

لقد كنا نسمع أن أخطر ما قد يصيب الإعلام هو التماهي مع إيقاع السياسة اليومية: حين يصبح جدول البرلمان هو جدول التحرير، وخلافات الأحزاب هي عنوان النشرات، ومصطلحات البيانات الرسمية هي لغة التقارير. عندها يفقد الإعلام استقلاله ووظيفته، ويتحوّل من سلطة رابعة إلى صدىً متأخر للسلطات الأخرى. الإعلام القوي لا يقبل هذا الدور؛ إنه يصنع أجندته من هموم المجتمع، لا من بروتوكولات المؤسسات.

 

ولأن الإعلام القوي يختار، فهو أيضًا يستبعد. يستبعد الفراغ، التكرار، والجدل العقيم الذي لا ينتج معرفة ولا يغيّر واقعًا. لا يرى في كل اجتماع خبرًا، ولا في كل تصريح حدثًا. معيارُه هو الأثر ماذا سيتغيّر للناس؟ ما الذي انكشف؟ ما الذي سيتحسّن؟ هذه الأسئلة البسيطة كانت في جوهر ما تعلمناه، وهي التي تميّز التغطية المسؤولة عن التغطية الاستهلاكية.

 

اليوم، ونحن نرى في كثير من المنابر سباقًا نحو “ملء الوقت” بدل “ملء المعنى”، نستعيد تلك الدروس القديمة. ندرك أن قوة الإعلام لا تأتي من قربه من السلطة، بل من قربه من الحقيقة؛ لا من طول البث، بل من عمق المحتوى؛ لا من نقل السياسة كما تُقال، بل من ترجمتها إلى آثارها على الحياة اليومية. فحين ينشغل الإعلام بدورات المجالس الفارغة، يغيب عنه المجتمع. وحين يعود إلى المجتمع، تستعيد السياسة معناها.

 

هكذا تعلّمنا الإعلام القوي لا يغطي الفراغ، بل يملؤه معرفةً؛ لا يروّج الخطاب، بل يختبره؛ لا يلاحق السياسة، بل يضعها في ميزان المصلحة العامة. ذلك الدرس، البسيط في صياغته، العميق في أثره، ما زال صالحًا اليوم أكثر من أي وقت مضى. لأن مجتمعاتنا لا تحتاج مزيدًا من الكلام، بل مزيدًا من الضوء.

 

بقلم محمد امبارك بوگنين