فضائح سوق السمك بالعيون: فساد متجذر ولوبيات تتحكم في القطاع
يعيش سوق السمك بميناء العيون على وقع فضائح متتالية تعكس حجم الفساد والتلاعب الذي ينخر قطاع تسويق المنتجات البحرية. فبدل أن يكون فضاءً اقتصادياً مفتوحاً أمام جميع المهنيين، تحول إلى ساحة مغلقة تتحكم فيها لوبيات الفساد وسماسرة تبييض الأموال، الذين يحكمون قبضتهم على السوق بشراكة خفية مع بعض المسؤولين والموظفين، في مشهد يعكس غياب الشفافية وغياب أي رقابة فعلية على هذا القطاع الحيوي.
التعاونيات المحلية والتجار الصغار وجدوا أنفسهم محاصرين بسياسات إقصائية ممنهجة، تدفعهم دفعاً إلى مغادرة السوق وترك المجال أمام الشركات الكبرى والمضاربين، الذين جعلوا من تجارة السمك بوابة لغسيل الأموال، مستغلين الفراغ الرقابي والانعدام التام للمساءلة. هؤلاء السماسرة، الذين يختبئون وراء صفة “تجار”، أصبحوا يفرضون أسعارهم الخاصة ويهيمنون على سوق لا يخضع لأي معايير شفافة، بينما المواطن البسيط يتحمل العبء الأكبر، حيث يُحرم من حقه في اقتناء الأسماك بأسعار معقولة، بسبب احتكار الفاسدين لهذه التجارة.
الأخطر في الأمر أن المكتب الوطني للصيد، المسؤول عن تنظيم القطاع، يبدو عاجزًا أو متواطئًا مع هذه المافيا الاقتصادية، حيث يواصل نهج سياسة الأبواب المغلقة في وجه أبناء المنطقة، ويُمعن في التهميش الممنهج للتعاونيات المحلية، التي كان من المفترض أن تكون ركيزة الاقتصاد المحلي. ورغم أن وزارة الصيد البحري تبدي اهتمامًا معلنًا بتنمية القطاع، إلا أن ما يجري داخل سوق السمك بميناء العيون يكشف عن فجوة بين الخطابات الرسمية والواقع المرير الذي يعيشه المهنيون يوميًا.
في ظل هذا الوضع المتأزم، يطرح السؤال الكبير: أين هي الجهات الرقابية؟ وأين هو دور المجلس الأعلى للحسابات في التدقيق في مالية وإدارة سوق السمك؟ ولماذا لم يتحرك مجلس المنافسة لمعاينة هذه الاختلالات الخطيرة التي تضرب قواعد التنافسية في الصميم؟ وماذا عن جمعيات حماية المستهلك التي يُفترض أن تدافع عن حق المواطن في الحصول على الأسماك بأسعار عادلة بعيدًا عن جشع المضاربين؟
الوضع لم يعد يحتمل الصمت، وسوق السمك بالعيون بات عنوانًا صارخًا لواقع الفساد الذي يعصف بقطاع يفترض أن يكون رافعة اقتصادية للمنطقة. ما يحدث هو إقصاء ممنهج للتجار الصغار والتعاونيات المحلية، واستنزاف لموارد البحر بطريقة تخدم فئة محدودة على حساب البحارة والمستهلكين. فهل ستستمر هذه المهزلة، أم أن الجهات المسؤولة ستتدخل لوضع حد لهذا العبث؟

