جريدة إلكترونية
ocp23
تحت القائمة الرئيسية

قم.. زر أصدقاء والدك .. فإن “الثقافة” خداعة

1- كم هو جميل ان يزور (المثقف) أصدقاء والده في أيام العيد..
ذاك المثقف الذي كان يوما يقبل يد والده التي اخترقتها شقوق الزمان و العرق و كسرة الخبز..
المثقف الذي درس دهرا في الجامعات و قرأ الكلمات و الأشياء وديوان العبر .. يجمع بعضه على بعض فجأة؛ ليزور في ايام التشريق اصدقاء والده ..وبعد اداء واجب الزيارة و بكل تواضع ؛ يطلب نصيحة أخيرة جامعة من صديق والده قائلا: ( اوصني ياعم !!)
فيستجمع الشيخ الكبير الذي بلغ من الكبر عثيا، قواه و روحه و ذاكرته و فؤاده، و يلتفت بهدوء ليرمق عيني المثقف بنظرتين بالكاد تبصر لضعف البصر و طول النظر في عاديات و مكر التاريخ، و يسبك “كلمات ليست كالكلمات” بتعبير القصيدة المشهورة؛ ويقول: ” كنا في ستينيات ما بعد الاستعمار، أنا و والدك رحمه الله، في إحدى المعارك ضد السبليون / الاسبان ؛ و نحن على قمة أحد جبال ايت باعمران بإقليم سيدي إيفني؛ قبالة إحدى ثكنات العدو..
و قد صدر القرار من قيادة جيش التحرير بالمباغثة فجرا، حيث يكون جنود العدو بين نائم و ثمل بالشرب.. و نكون نحن، قد طردنا الجوع بشرب قليل من “حساء” لا ثاني له.. وقد ركعنا ركعات، و فرغنا من وردنا و استغفارنا..و عددنا الرصاصات المرصعة بها احزمتنا..
و لكن قبل لحظة الصفر/ الانقضاض؛ جاء الامر بتأجيل العملية !! أذكر أن والدك غضب غضبا شديدا لم أر مثله وقال متحسرا : ( لا حول ولا قوة الا بالله ؛ لقد حرمنا ملاقاة سيدنا رسول الله في الجنة)..انتهى متن الحكاية..

2- إن مثل هذه القصص التي يحكيها لك اصدقاء الوالد ، ليست من طبيعة مادة الثقافة او التاريخ او الاجتماعيات او الحوليات او التأريخ الذي يرص نظرياته ( المؤرخ فلان المشهود له بتحقيق المخطوطات ..لا و الف لا ..ايها المثقف سلمك الله..
ان الذي يحدثك (راو ثقة) من فوق الجغرافيا الحقيقية و بلسانك الحقيقي و لسان والدك، و في ايام التشريق؛ و قد فرغ ثوا من ذبح اضحيته التي تغيا بها مغفرة الذنوب و التوبة .. (فلحظة الحكي) هي احدى أصدق اللحظات في تاريخ الرجل..و فوق هذا؛ فكأنه يوصيك ايها المثقف “وصيته الاخيرة” ؛ وصية وداعه للدنيا؛ والتي لا تتحمل التهويل او حب الظهور او المفاخرة.. انها لحظة الابوة التي تعتبر النصيحة دينا و “الدين النصيحة”..
لحظة التأريخ هذه؛ قد يسميها البعض بالرواية الشفهية او التاريخ الشفهي..
لكن عند التأمل هذه الكلمات؛ اكبر و اعظم من رواية و من تاريخ؛ إنها مثل الرؤيا الصادقة؛ رؤيا يوسف.. إنها العين الصافية و المعين الازلي ؛ الذي تسبق وجود القلم و الورق و الكتابة و الثقافة..

3- انها الموعظة فوق الجبل في انجيل متى؛ و الوصايا العشر فوق جبل طور ..انها (اقرأ) في جبل حيراء..انها (عرفت فالزم) التي قالها سيدنا رسول الله للصحابي الذي جاء يعرض رؤيا رآها في المنام؛ مضمونها أنه رأى عرش الرحمان و رأى الجنة !! .. فأجابه النبي : عرفت فالزم .)؛ اي لقد كشفت لك الحقيقة، هذه حقيقة الحقائق اعطيت لك.. ولك حدك..لقد اطلعك الله على الحقيقة انت؛ وانت فقط..
لا يهم ان يكذبك الناس بعدها.. فانت قد رأيت بعين بصيرتك..وتأكدت انك رأيت..وانت شاهد على نفسك انك رأيت..وقد شهد معك عقلك وقلبك و فؤادك ..و (أناك) بتعبير ديكارت..اذا ؛ انت متأكد من نفسك التي رأت.. و متأكد من حضورك عند رؤيتك..فهذه إذا؛ حقيقتك وحدك ؛ أعطيت لك ليطمئن قلبك؛ بل انها أم الحقائق..

4- انها الحقيقة التي نقشت في روحك ولو كذبك كل من حولك..الست انت الرائي وانت الحاضر وانت الشاهد و انت المتلقي ؟..
اذا ؛ كن انت المؤرخ و انت صاحب القلم الذي يحكي الحقيقة الأولى التي لا يملكها غيرك..اخلع نعليك و استمع لما يوحى..
لقد اراد الله ان يستعملك لتكون في مقام ( عين الحقيقة) ( ماقبل الثقافة)( لحظة قبل برئ القلم)و ( هنيهة قبل الأمر بأكتب)..

5- إن نصيحة صديق الوالد لك؛ ليست من طينة ماهو مكتوب بالسمخ على الورق؛ بل ماهو منقوش في الروح بالبوح والإلهام.. ما أصدق بوح الوالد على الكبر.. و ما اثبث النصيحة من على فراش مرض الموت..
تخرج الكلمات تلفها الانوار.. و (نبرة السرد) لا تدرس في معاهد الموسيقى؛ فهي نبرة من خامة روحانية فريدة ؛ تقرع السمع.. ترتفع فوق الذبذبات المعروفة في التقاط السمع العادي..يستقبل السمع في لحظة نصيحة الوالد لك : “اشارات غامضة” و لمحات خاطفة؛ و آلاف من خطب و كتب و مشاهدات و حكايات (مضغوطة في كلمات قليلة).. تقول و تفصح عن الحقيقة كاملة؛ لكن ( في لمح البصر) ثم تطوى و تحلق في الافق و تختفي!! ..
لتعود اللغة بعدها مباشرة؛ الى حجمها الصغير و غير المبين؛ و الذي يحتاج الى المؤرخ ليزيد فيه و ينقص، و ينقح و يقارن، ليخرج الحقيقة من بين تضارب الروايات و كذا الاهواء و التحريفات..

6- تنقل اليك (نصيحة صديق الوالد) الشيخ العجوز؛ صبوتها و عنفوانها ودفئها؛ ولنقل طاقتها؛ من الثيمة المندسة فيها؛ ثيمة (التضحية) وحب ملاقاة العدو الذي اهلك الحرث و النسل.. للإشارة “فالحرث و النسل” في هذا السياق هو ما يطلق عليه المثقفون بلغتهم المعاصرة ( الوطن) وبلغة الوالد (بلادنا) و (أرضنا)..ولان النصيحة انسابت في ايام التشريق؛ ايام الاضحية و التضحية؛ فان لهذه الثيمة تداعيات لا حصر لها عليك..انها تحيي فيك حقيقة احياء سنة سيدنا رسول الله في تعظيم شعيرة الذبح لله..إنها اكبر من اللحم والشحم و الأكل.. إنها “حياة الرموز ” و “رموز الحياة”.. فالإنسان أنثروبولوجيا يعيش (بالرموز والطقوس)..
إنها الكلمات عندما تعانق التاريخ الحقيقي للإنسانية؛ تاريخ صراع الحق والباطل؛ و صراع الذين يعلمون و الذين لا يعلمون؛ تاريخ ابي الانبياء سيدنا ابراهيم مع ( المجرمين) الذين القوه في النار ليحرقوه !! ..
و انها الكلمات عندما تعانق حقيقة تاريخك انت ..عندما تذكرك بتاريخ ابيك الحقيقي.. أباك الذي كان مضحيا من أجل “الحقيقة الحقيقية” وليس “الحقيقة الثقافية” التي أفسدها العدو الذي استعمرك.. و قدمها لك لكي ينسيك أن اباك كان يوما يشرب الحساء فوق الجبل؛ ليحرر لك هذا الوطن..
فاياك ان تنسى زيارة – في ايام التشريق- من يذكرك به..
من قبل ان ينقرض (جيل ابيك) و (حقيقة ابيك)..و تبقى في مواجهة ( ثقافتك) التي تبخس الأضحية و التضحية..
أيها المثقف..وكل الناس مثقفون بعضهم هائم بين الكتب و بعضهم هائم في ارض الله..لكن كلهم سيعود يوما؛
باحثا عن روح والده أو أثر منه ..
فإياك و إياك.. قم .. زر أصدقاء والدك..
ورحم الله والدينا جميعا..و جعلنا على عهدهم مضحين.

بقلم : عبد الخالق حسين – 20 يونيو 2024