العيون: عندما تتحول التنمية البشرية إلى خط دفاع عن الأشخاص.
تهتز مدينة العيون هذه الأيام على وقع خرجات متتالية وطبول إعلامية عالية الصوت. المشهد يطبعه تصعيد لفظي متكرر ودفعات مستمرة من البيانات والتعليقات، تتسم بنبرة حادة غير معتادة في النقاش العمومي المحلي.
الملاحظ أن أغلب هذه الخرجات صادرة عن أشخاص يتحركون تحت مظلة ما يسمى بالتنمية البشرية. هؤلاء لا يتحدثون اليوم عن مشاريع التأطير والتكوين، بل اصطفوا في خط دفاع مباشر عن ولي أمرهم. ومن هنا يفهم سبب حدة الخطاب وشموليته، فالولاء الشخصي غالبا ما يكون أقوى من النقاش الموضوعي.
السؤال الذي يفرض نفسه على المتابع: ما سبب هذا الحراك المفاجئ؟ ولماذا اختلط صوت التنمية البشرية بدفاع شرس لا يبشر بالتهدئة؟ القراءة الأولية تقول إننا أمام معركة بالوكالة، حيث المهاجم شرس في أسلوبه، والمدافع مستميت في رده، وبينهما يبقى المواطن أمام دندنات ونغمات متغايرة لا يفهم مصدرها ولا مقصدها.
علامة الاستفهام الكبرى تظل قائمة: هل المقصود من هذا كله شخص بعينه يجري الدفاع عنه أو استهدافه؟ أم أن الهدف أبعد من ذلك، ويتعلق بدق ناقوس الخطر والمطالبة بإعادة النظر في بعض المواقع والمسؤوليات وفصلها؟ حتى الآن لا إجابة رسمية، وكل ما هو متاح اجتهادات وتأويلات.
نحن هنا لسنا في وارد التشكيك في أحد، ولا ننحاز لطرف ضد آخر، ولا نروم النبش في تاريخ أحد أو تصفية حسابات قديمة. موقفنا واضح: نحن عين على المجهر، نرصد ما يجري وننقله للقارئ كما هو، بمسافة واحدة من الجميع.
ما يحدث في العيون يستدعي وقفة تأمل. فحين تتحول آليات التنمية البشرية، التي يفترض أنها أداة لتأهيل الإنسان وتقوية قدراته، إلى غطاء للدفاع عن الأشخاص، فإن الرسالة تتشوه والمعنى يضيع. المواطن لا ينتظر معارك الولاءات، بل ينتظر مشاريع ملموسة تحسن ظروف عيشه وتفتح أمامه فرص الشغل والكرامة.
المرحلة تقتضي الوضوح. المطلوب من الجهات المعنية الخروج بتوضيح رسمي يفك الالتباس، ويضع حدا لخلط الأدوار بين العمل الجمعوي والعمل المؤسساتي. فاستمرار الغموض لن يخدم إلا مزيدا من الاحتقان، وسيبقي المدينة أسيرة سجال لا طائل منه.
العيون أكبر من أن تختزل في صراع أشخاص، وأهلها يستحقون نقاشا عموميا يعالج الملفات الحقيقية. وسنبقى نتابع وننقل، بانتظار أن تنجلي الصورة ويعرف الجميع من يدافع عن ماذا، ولماذا الآن.
