مقالة : مدينة كلميم بين ( الأمن المتحقق) و إشاعة “خوف وهمي
بقلم: عبد الخالق حسين
( ماي 2022)
مقالة : مدينة كلميم بين ( الأمن المتحقق) و إشاعة “خوف وهمي”!
** قصة واقعية :
قبل أشهر كان “ابني” الذي يدرس بالسلك الاعدادي ضحية “اعتراض طريق” من طرف مراهقين اثنين، غير بالغين؛ عند مدخل “القنطرة الحديدية” للراجلين، على واد أم لعشار من الجهة المقابلة للمقاهي بمدينة كلميم.. فقد كان راجعا من حصة مراجعة ودعم بين العشاءين؛ فحاول المعتديان أن يفتشا جيوبه، و كذا سرقة “جاكطته الصفراء الجديدة” باستعمال التهديد اللفظي والقوة البدنية؛ لكن بدون استعمال أي سلاح ابيض ..
أخبرت هاتفيا؛ فالتحقت بالبيت على وجه السرعة؛ فوجدته وقد علت ملامحه دهشة وارتباك؛ لكن في حديثه “نبرة تحدي و فتوة” .. اخبرني أنه قاومهما بعناد وتمنع؛ مع رفع الصوت؛ مما اثار انتباه المارة على الكورنيش..فارتبك المهاجمان ولاذا بالفرار..
** التدخل الأمني الناجح:
اصطحبت ابني على وجه السرعة الى مكان الحادث؛ واتصلت بمركز الأمن .. وأ عتقد أن أقرب الدوريات هي التي على الفور غطت المكان : الدراجين، و سيارة أمن كبيرة، وعدد من الامنيين بدون زي رسمي.. قدم لهم ابني مواصفات المهاجمين وبعض أوصافهم الجسدية.. فقامت الشرطة بتمشيط سريع للمكان..ثم سلمني ضابط منهم هاتفه لنتبادل أي جديد..
في أقل من “نصف ساعة” هاتفني الضابط نفسه يطلبني أن التحق بشارع 30.. فقد ضبط جماعة من الشباب تحت أقواس محلات تجارية قرب ” المدارة/ رومبوان” المؤدية الى اعدادية واد نون و المحطة الطرقية . وبوغث مراهقان بينهم يحملان المواصفات المعلومة.. تقدم ابني اليهما..فاعترفا فورا “بأنهما اعترضا طريقه.. نعم، لكن على سبيل المزاح والضحك” !!..( هكذا بكل بساطة )..
نقلتهما سيارة الشرطة إلى الإدارة المركزية للأمن بشارع محمد السادس( شارع أكادير) و لحقت أنا وابني بهم ممتطيا سيارتي .. تم استدعاء “وليي أمرهما” .. وأدلى كل منا “بأقواله” في جو من الاحترام وتطبيق للقانون..وهنا انتهت وقائع قصة الإعتداء..
و انتشر (الخبر) كالنار في الهشيم بين الجيران والاصدقاء و عامة الناس..
** بيد أني أسجل ملاحظات مهمة للتاريخ :
1 – أنوه بسرعة تجاوب رجال الأمن مع مكالمتي وشكايتي..
2 – أسجل إعجابي (بالسرعة) التي تم بها إلقاء القبض على الضنينين؛
3 – أنوه بالتعامل المنضبط و الحضاري مع المتهمين؛ سواء لحظة القبض أو لحظة التحقيق.
4 – رغم غضبي الشديد و الطبيعي عند رؤية المراهقين المعتديين ..لكن رجال الأمن كانوا يباشرون الاجراءات بكثير من الهدوء و الرزانة والحرفية..”فالمتهم برئ حتى تتبث إدانته”..
5 – أطلب من كل من تعرض لاعتداء ولو غير “بالغ الإيذاء”
أن يعلم الأمن؛ ويحرر شكايته في النازلة؛ مع الحرص على أن يلتقط بعض مواصفات المعتدي و المجرم لتسهيل عملية البحث و القبض.. كما أن هذه الشكايات تساعد إدارة الأمن على رسم “خارطة” لبؤر وطبيعة الإجرام بالمدينة..
** “بين الأمن الإجتماعي و الذعر النفسي”:
أحب أن أشير إلى قضية بالغة الخطورة؛ ينبغي الإنتباه إليها، لكي يتم التعامل مع “ظاهرة الإجرام” بنظرة حقيقة واقعية؛ لا تستعمل فيه المرايا المقعرة ولا المحذبة؛ وهي القضية التي اسميها ” تضخيم الجمهور لقصص الاجرام” وقد لمستها في أمرين :
6 – اتصال كثير من الأصدقاء للطمأنة على ابني؛ لكن فاجأوني بتفاصيل مكذوبة ومختلقة؛ لم تحدث في النازلة؛ مثل: استعمال الخناجر..ومحاولة الاختطاف..والضرب والجرح على مستوى الوجه..وسرقة كل ما بجيوب الابن !!..فوجدت أن “الجمهور والرأي العام” قادر على خلق قصة “خيالية” موازية للحقيقة؛ والأغرب أنها النسخة الأوسع انتشارا لتضمنها عناصر الإثارة و الفرجة !!
7 – البعض سألني: “هل هذه هي محاولة الاعتداء الثانية ؟” .. لأنه سمع – زورا- بأن هناك محاولة سابقة !!..فلمزيد من الإثارة يعمد الجمهور إلى المبالغة في التفاصيل.. وكذا في عدد مرات الحدث !!
** تنبيه لابد منه:
لقد أدركت من خلال هذه القصة الواقعية والشخصية؛ والتي كنت أنا جزءا من أحداثها: أن الجمهور “لا يعول عليه” في نقل الأخبار، خصوصا أخبار الإعتداءات كيفما كان نوعها؛ لأن الناس تستمتع “بالسرديات” العجيبة والمثيرة !!.. ونحن في كلميم، مجتمع السمر والسهر على الشاي؛ فالرواية الشفهية جزء من تأثيث المشهد المتعوي الإجتماعي..و القصة عندما تجمع بين المحلية و الحقيقة والسينمائية action ؛ تكون أشبع وأحلى وأمتع للمستمعين !!
لهذا حذاري من أمرين:
8 – تبخيس مجهودات رجال الأمن الذين يبذلون جهدهم واجتهادهم في المحافظة على السكينة والنظام العام ؛ فقد كنا نخرج في رمضان للصلاة في جوف الليل؛ فنجدهم مرابطين في الجو البارد و تحت ظلام الليل..
بل لا بد من الحرص على رفع معنويات هؤلاء الجنود؛ و ذكر مناقبهم، والتحدث بحسناتهم.. فإن ” من لا يشكر الناس لا يشكر الله” كما في حديث رسول الله(ص)..
9 – عدم المبالغة عند رواية وسرد قصص الاعتداءات كما ألمحت سابقا؛ فإن (طريقة سردنا) أحيانا؛ تعطي انطباعا لبعض شبابنا أن ” المراقبة الأمنية ضعيفة” و أن “المحاولة” في مجال الإجرام آمنة وبدون عواقب..
** الأمن مسؤولية الجميع:
10 – لابد من رفع “الوعي الأمني” بين المواطنين.. فكثيرا ما ألمح فتاة تمشي وحيدة في مكان منعزل، وهي تحمل هاتفا غالي الثمن، بل تكون غارقة في مكالمة مطولة غير آبهة بمن حولها.. فهذه في الحقيقة “تستدعي المجرم” ليقترف جريمته !!
وقد وجدت يوما “أمرأة وابنتها” بعد صلاة العشاء، في شارع معزول؛ تحملان بعض المشتريات الثقيلة، فنقلتهما الى وجهتهما.. ولما استفسرتهما؛ أجابتا : “إن الزوج مشغول؛ و قد تأخر في المجيء اليهما، فاضطرتا للترجل رغم الظلمة وقلة المارة و خطورة الطريق” !!
11- نعم نتطلع الى تحسين وتجويد جميع الخدمات التجارية والتعليمية والدينية والترفيهية… بما في ذلك الأمنية في كلميم ؛ بيد أننا نثمن المستوى الأمني الموجود .. فنحن والحمد لله لم نصل “وضعا منفلتا” كأن ” يدخل تلميذ إلى المدرسة، شاهرا سلاحه الأوتوماتيكي، ويمطر زملائه بوابل من الرصاص؛ فيقتل (21 ضحية) بدم بارد؛ ويشتبك مع الشرطة؛ كما وقع في مدينة تكساس الامريكية هذه الأيام..
12- لقد نبهت في خطبة الجمعة ليوم 27 ماي 2022 تحت عنوان “المواطن الايجابي والمواطن السلبي” إلى الانتباه الحذر من “تقديم خدمة مجانية للمجرمين” بإشاعة “جو” من (السلبية القاتلة؛ والشكوى والتذمر والسوداوية؛ وتبخيس بطولات وصولات رجال الأمن .. و “بث” أخبار “شبه صحيحة” تنقصها الدقة والتتبث؛ أخبار منزوعة المقدمات والسياقات.. توحي بأن مدينة “كلميم” أصبحت “غابة” تصول وتجول فيها، وحوش و جوارح بشرية ضارية ومتوحشة !!
سادتي؛ حذاري من أسطرة الأحداث؛ والمبالغات الأدبية التي مكانها كليات الآداب ؛ و أقسام القصة والرواية والأدب المقارن..
13- ينبغي ان ينتبه “مثقفونا وإعلاميونا” والمهتمون بالنهضة المحلية في كلميم؛ أنه ليس في صالح “مدينتنا الجميلة” أن تروج عنها صورة “المدينة المنفلتة أمنيا” فهذا علاوة على أنه عاري عن الصحة؛ فهو ليس من حكمة الحكماء ذوي النظرة الشاملة والبصيرة النيرة؛ وليس خادما لتنميتنا و لتجارتنا و لسياحتنا و لطموحنا في الإقلاع الذي يؤرق كل فرد منا ..
“فالناس من بعيد” يصدقون آذانهم.. و الأذن عاشقة لحكايات الخيال والعجائب !!
و”فساق الأخبار” ؛ و “المرجفون” في المدينة كثيرون.. يتصيدون الربح السهل والمال السحت؛ على مواقع التواصل الاجتماعي.. ألم تصبح عدد المتابعات والمشاهدات “رصيد مالي” يبحث عنه كل ناعق، وكل فتان، وكل سفيه، وكل تافه.. لا تهمه تنمية كلميم؛ ولا جهة كلميم/ واد نون؛ ولا حتى المملكة كلها ؟؟
14- نعم؛ من الواجب الوطني والشرعي تنبيه المسؤولين بمواطن الخلل والعطب.. عبر المؤسسات المختصة؛ كما سمعنا ورأينا وتابعنا على شاشة التلفزة ( سؤال النقيب ذ.محمد صباري في البرلمان).. والشكر موصول لكل واحد من موقعه.. ولكن أساليب النصيحة وقنواتها متنوعة ومتعددة؛ مع استحضار “كل التقاطعات” و التشابكات التنموية”؛ فإن كل قطاع متعلق ومتواشج بالقطاعات الأخرى؛ و فلسفة ( سياسة المدينة) التي تنتهجها المملكة تنظر بمنظور تكاملي ونسقي لفعل التنمية ..
ولهذا فكل “خبر او فعل أو نقد” يساهم في نشر “حالة اللاأمن” و “حالة الذعر” بين الناس؛ فصاحبه تنقصه الحصافة والرزانة والحكمة؛ إن لم أقل “يتمتع بغير قليل من الحماقة”.. (فالفتنة أشد من القتل)..بمعنى: نشر أخبار القتل وترويجها ..وترويج “مقدماتها من جرح وضرب” بين الناس هو أشد إيلاما وتعذيبا من القتل نفسه .. وهذا مبدأ قرآني مفيد في هذا السياق..
15- و المثال الواقعي الذي يعطى في هذا السياق؛ هو قصة من الحرب العالمية الثانية؛ فأثناء القصف الجوي الألماني “لمدينة لندن”؛ كان السكان ينزلون الى الملاجئ كلما سمعوا صفارات الانذار؛ ووقع أن مجموعة من السكان نزلوا إلى الملجأ أكثر من مرة في مدة وجيزة؛ ينزلون ويصعدون.. والإنذار يكون كاذبا؛ لأن القصف لم يحصل .. ولأن “التحذير من القصف” و”الهلع والذعر الذي يصاحب سماع الصافرات شديد ومؤلم للنفس؛ أكثر من القصف نفسه والموت نفسه؛ فقد صرخت امرأة من المجموعة: ( قولوا لهتلر؛ اقصفنا بالصواريخ لنرتاح !!)..ففتنة وآلام الصافرات، أكبر وأشد من سقوط الصواريخ…هكذا هو (نشر أخبار الإجرام باستمرار) بدون حنكة وتبصر ومهنية ..
16- و قبل الختم أذكر بقولة الامام مالك بن أنس رحمه الله قديما : ” ليس كل حق يقال”.. و كان المقصود، أن للخبر قواعد في النقل؛ منها أن الحقيقة حقيقة في ذاتها؛ عند وقوعها.. أما عندما تصبح “رواية وخبرا وتاريخا” يروى وينقل على الألسن؛ فإنها “قد تنقلب” من حقيقة إلى “كذب وبهتان و تدمير و فتنة.. و تعتيم على الحقيقة الحقيقية التي كان المقصود تغطيتها/ نقلها بالمفهوم الإعلامي؛ فأصبحت النتيجة “تغطيتها” بالمفهوم اللغوي أي إخفاءها بتعبير “إدوارد سعيد” في كتابه ( تغطية الإسلام) الذي فكك فيه آليات “حجب” حقيقة الاسلام من طرف الإعلام الغربي !!
17 – إننا في “مدينة كلميم”/باب الصحراء”؛ وباقي المدن الصحراوية في جنوب المملكة المغربية الشريفة، نعيش ظروفا أمنية مستقرة و منضبطة؛ نخرج “لصلاة الفجر” في أمان وطمأنينة..
ونغادر بيوتنا للنزهة مع أبنائنا في بهجة وسكينة.. فساحات الترويح و الفرجة ممتلئة عن آخرها..والناس على أطراف المدينة زرافات وفرادى ينتشون بكؤوس الشاي الصحراوي المشحر على الجمر.. هذا هو الواقع اليومي الحقيقي و الآمن..
و المخلصون في المجتمع المدني و الإدارة الترابية؛ والبرلمانيون والمنتخبون والمثقفون و الاعلاميون والعلماء؛ كلهم واع “بنعمة الأمن هذه” وحريص على توسيعها وتدعيمها.. صحيح؛ واعون كلنا “وعيا وطنيا” بالخصاص ؛ و كذلك بالاكراهات.. غير أننا في نقاشاتنا الخاصة والعامة ؛ العالمة والدارجة؛ ننوه بمجهودات الجميع، ونسجل أن “كل واحد منا” يساهم بجهد مقدر لرفع مؤشرات التنمية الشاملة والمندمجة لهذه المدينة الجميلة (كلميم)..
18- ختاما : أقول: استحضروا يرحمكم الله أن “جهات لا وطنية” تقتنص أنصاف الحقائق؛ و تستفيد من كل “كبوة” و”خبر غير سار” ؛ لتنشر إفكها؛ وتبث سمومها ومغالطاتها وحربها النفسية والإعلامية علينا .. وتدعي أننا قوم نعيش الهمجية و التخلف و لا نستحق الحياة !!
فلنكن حكماء في نقد أوضاعنا.. ولنجعل “الأمن” همنا الجماعي؛ و “محاربة الجريمة” قضية علمية وتربوية وإدارية وأسرية؛ يساهم فيها الجميع، كل من موقعه..
19- فتحية لكل “مؤثر إجتماعي” تحركه الغيرة الوطنية.. وتحية “لرجال الأمن بكلميم” بكل رتبهم وألقابهم؛ الذين يستحقون منا الشكر والتنويه والتقدير..
ولأنني درست و أدرس أبناء الكثيرين منهم؛ فإنني أرد اليوم على تحيتهم و شكرهم لي، على مساهمتي في “أمن أبنائهم الروحي”؛ بتحيتهم وشكرهم على سهرهم على “أمننا” جميعا، الإجتماعي والنفسي..
فاللهم أدم علينا نعمة الأمن.. واجعلنا من الذين “أطعمتهم من جوع وآمنتهم من خوف.”..

