الطنطان.. مدينة تلعن الرداءة، ثم تعيد إنتاجها..غلبتونا الله يعطيكم ال يغلبكم
عبد المجيد حسين، في تدوينة نشرها على صفحته، مساءلة “أسطورة” الطنطان “المغضوب عليها”، معتبرًا أن تكرار النتائج الانتخابية المحلية ليس قدرًا، بل انعكاس لخيارات ساكنة تُمارس المثالية في المقاهي وتحتكم الي مصالحها في صناديق الاقتراع. نص التدوينة كاملاً:
“مرة أخرى، يخرج أبناء الطنطان للتباكي على مواقع التواصل الاجتماعي.
وككل مرة، وعلى مدى عقود، تظل الوجوه نفسها تقريبًا تسيطر على المقاعد، وإن تبادل أصحابها الأدوار. لا شيء تغيّر، ولا يبدو أن شيئًا سيتغيّر.
في كل الانتخابات التي عاصرتها، كان أبناء الطنطان من المثقفين والأطر يترشحون، لكن قلّة قليلة كانت تصوّت لهم.
أستاذ الفلسفة بالثانوية، «بلاّهي»، كان من أوائل من ترشحوا في التسعينيات، ومع ذلك انحصرت المنافسة يومها بين اسمين فقط، رغم أن الكتلة الناخبة كانت أفضل حالًا مما هي عليه اليوم؛ فلم يكن سرطان القبلية قد استشرى بعد، ولم تكن الهندسة الديموغرافية الحالية قد بدأت ملامحها في الظهور.
بعد ذلك، ترشح كثيرون: أطر، ومهندسون، وشباب مثقف، وغيرهم. لكن صناديق الاقتراع لم تغيّر شيئًا من واقع المدينة. ظل الأميون والمهربون وغيرهم من أصحاب النفوذ يتصدرون المشهد، وظل المال، في كثير من التجارب، هو الفيصل.
تجلس في المقهى، فتسمع نقدًا وتحليلًا سياسيًا يفوق في مثاليته كلام “ابو تريكة”، وتسمع تحليلات لا يجيدها حتى «الدويري» نفسه. ثم ما إن تبدأ الحملة الانتخابية حتى تجد الأشخاص أنفسهم، من أصحاب الشواهد العليا والمثقفين، يسيرون في حملة مترشح أمي، ويقتتلون من أجله، ويستميتون في الدفاع عنه.
في الطنطان، يبدو أن المبادئ تنتهي عند أبواب المقاهي، وأن المثالية السياسية لا تعيش إلا في جلسات النقاش. أما عند اقتراب موعد الانتخابات، فتبدأ الحسابات الحقيقية: القرابة، والقبيلة، والمصلحة، والمال، والوعود، والولاءات، والتحالفات السرية.
ثم تنتهي الانتخابات…
ويعود الجميع إلى المقاهي.
تبدأ حفلة اللعن المعتادة: المجلس سيئ، المنتخبون فاشلون، المدينة مهمشة، المسؤولون لا يفهمون شيئًا، والمخزن هو السبب، والدولة هي السبب، والآخرون هم السبب… الجميع مذنب، إلا نحن.
وهنا تظهر الأسطوانة الأكثر استهلاكًا:
«الطنطان مغضوب عليها.
رواية صدّقها كثيرون حتى أصبحت شماعة جاهزة لتعليق كل الإخفاقات عليها.
و الواقع أن من يسيرون الشأن المحلي هم، في نهاية المطاف، أبناء المدينة، وأن المسؤولية لا يمكن دائمًا إلقاؤها على جهة أخرى. والميزانيات والموارد، مهما كانت حدودها، ليست وحدها سبب كل ما تعانيه المدينة.
وإذا كانت الطنطان «مغضوبًا عليها»، كما يردد البعض، فربما يكون من الأجدى أن نبحث عن جزء من الجواب داخل المدينة نفسها: في عقوق أبنائها الذين يتناوبون على مجالسها، وفي ساكنتها التي تمنح أصواتها، في كل انتخابات، لمن يدفع أكثر أو لمن يخدم مصالحها الضيقة، ثم تعود بعد ذلك إلى المقاهي لتلعن الواقع نفسه الذي ساهمت في صناعته.
المشكلة ليست دائمًا في من يحكم؛ أحيانًا تكون المشكلة في الطريقة التي نختار بها من يحكم و من يسيّر.
الطنطان.. مدينة تلعن الرداءة، ثم تعيد إنتاجها.
#دعوة المغلوب..غلبتونا الله يعطيكم ال يغلبكم.