صرخة موسم طانطان في مواجهة العبث بالهوية: حين تتحول الحداثة إلى إساءة لروح التراث!
وكالة تنمية الأقاليم الجنوبية مطالبة بمراجعة تصورها الثقافي، ومؤسسة أمكار أمام مسؤولية حماية المكتسب التراثي للموسم.
لم يعد مقبولاً أن تتحول المشاركة في موسم طانطان إلى مناسبة لاستعراض مظاهر تكنولوجية لا تنسجم بالضرورة مع فلسفة هذه التظاهرة وأهدافها التراثية. فما شهدته النسخة التاسعة عشرة من الموسم، من إدخال الروبوتات إلى الجناح المخصص لوكالة تنمية الأقاليم الجنوبية، واستعمال السيارات الكهربائية لنقل الفنانين وإشراكهم في إحدى اللوحات الفنية، يطرح أسئلة عميقة حول مدى استيعاب القائمين على هذه المشاركة لخصوصية هذا الحدث الثقافي العالمي.
إن موسم طانطان ليس معرضاً للروبوتات، ولا منصة للترويج للسيارات الكهربائية، ولا فضاءً لاستعراض مظاهر الحداثة بمعزل عن السياق الثقافي. إنه ذاكرة الإنسان الصحراوي، وتاريخ مجتمع الرحل، وامتداد لحضارة صنعتها الخيمة والإبل والترحال والشعر الحساني والحكاية الشفهية والفنون الأصيلة.
وهنا يكمن جوهر الإشكال: لسنا ضد التكنولوجيا، ولسنا ضد الانفتاح على المستقبل، لكننا ضد توظيف الحداثة بطريقة تهمش هوية المكان وتفرغ التظاهرة من مضمونها الثقافي. فكان حرياً بالوكالة أن تجعل من التكنولوجيا وسيلة للتعريف بالتراث الصحراوي وتوثيقه ونقله إلى الأجيال القادمة، بدل تقديمها في مشاهد استعراضية تثير التساؤل حول علاقتها بروح الموسم.
والأخطر من ذلك أن موسم طانطان يحظى باعتراف منظمة اليونسكو باعتباره أحد روافد التراث الثقافي غير المادي للإنسانية. وهذا الاعتراف ليس مجرد شهادة تعلق على الجدران أو وسام يستعمل في المناسبات، بل هو التزام بحماية الموروث الثقافي وصيانة عناصره الأصيلة.
ومن حقنا، في هذا السياق، أن نتساءل: هل ستكون منظمة jاليونسكو راضية عن هذه الاختيارات التي قد يُنظر إليها باعتبارها ابتعاداً عن فلسفة صون التراث؟ وهل يمكن أن تثير هذه الممارسات ملاحظات أو تحفظات لدى المنظمة، قد تصل إلى مراسلة مؤسسة أمكار وطلب توضيحات بشأن مدى احترام البرنامج المقدم لالتزامات المحافظة على هوية الموسم؟

إن احتمال توجيه تنبيه أو مراسلة من اليونسكو، ، ليس أمراً ينبغي الاستهانة به؛ لأن الأمر يتعلق بمكتسب ثقافي دولي لا يخص مؤسسة أمكار وحدها، بل يخص طانطان وساكنتها والذاكرة الصحراوية برمتها.
وهنا نضع مؤسسة أمكار أمام مسؤوليتها التاريخية والتنظيمية: إن حماية هوية الموسم لا تقتصر على تنظيم الكرنفال واستقبال الوفود وإعداد اللوحات الفنية، بل تقتضي أيضاً مراقبة مدى انسجام مختلف المشاركات مع الأهداف التي من أجلها اكتسب الموسم مكانته الدولية.
أما وكالة تنمية الأقاليم الجنوبية، التي يفترض أن تكون من المؤسسات الحريصة على تثمين الخصوصية الثقافية للمنطقة، فعليها أن تقدم جواباً واضحاً عن الخلفية الثقافية لهذه الاختيارات، وعن القيمة المضافة التي قدمتها الروبوتات والسيارات الكهربائية للتراث الحساني والصحراوي.
إن التنمية ليست استيراد مظاهر الحداثة وعرضها في كل مناسبة، وإنما هي القدرة على التوفيق بين التطور وصيانة الهوية. ومن المؤسف أن تتحول مؤسسة يفترض أن تكون في طليعة المدافعين عن الخصوصية الثقافية للأقاليم الجنوبية إلى موضوع مساءلة بسبب اختيارات كان من المفترض أن تكون أكثر ارتباطاً بذاكرة المكان وروحه.
إن طانطان لا تحتاج إلى روبوتات تتحدث باسمها، ولا إلى سيارات كهربائية تختزل مشاهد حياتها؛ إنها تحتاج إلى من ينصت إلى حكايات أهلها، ويحفظ شعرها، ويصون خيمتها، ويعيد الاعتبار لإنسانها وتراثه.
فالحداثة مرحب بها حين تخدم الهوية، ومرفوضة ثقافياً حين تصبح على حسابها. ومؤسسة أمكار ليست مطالبة فقط بإنجاح موسم عابر، بل بحماية إرث إنساني لا يحق لأي جهة أن تتعامل معه بمنطق التجريب والاستعراض.
فهل نريد موسماً يصون ذاكرة الصحراء، أم معرضاً تكنولوجياً يرتدي عباءة التراث؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه وكالة تنمية الأقاليم الجنوبية، وأن تتحمل مؤسسة أمكار مسؤوليتها في طرحه والدفاع عن هوية الموسم.
بقلم الأستاذ : محمود فال
