النعمة ميارة: هل سقطَ أم أُسقِط..!!
ظهر الرجل وهو يرتدي جلبابه القطني الأنيق والابتسامة لا تفارق محياه طيلة مدة “التصريح المنتظر” الذي ألقاه على مسامع الجميع تعليقا منه على وضعية الاحتقان وحالة الغليان التي تشهدها نقابته ” الاتحاد العام للشغالين بالمغرب” بعد أن طفت على السطح اختلافات عميقة بين أعضاء بمكتبه التنفيذي بدأت باحتجاج بعضهم على ما أسموه بسوء تدبير إداري ومالي وعلى رأسه واقعة “بيع مقرات” تابعة للنقابة في ظروف غامضة، وسرعان ما تطورت الأمور إلى بروز ملامح “حركة تصحيحية” بقيادة أعضاء بارزين بنفس المكتب تطالب بمؤتمر استثنائي والمحاسبة وإقالة الكاتب العام وتصحيح المسار.
السيد النعمة أنهى خطبة النهاية بالآتي: “كما أؤكد بكل وضوح وحزم أنني لن أترشح لمنصب الكاتب العام خلال هذا المؤتمر، واضعا بذلك حدا لكل تأويل ومعبرا عن قناعة راسخة أن المصلحة العليا تقتضي اليوم إفساح المجال لقيادة جديدة في إطار الاستمرارية واحترام المؤسسات”، وبذلك قطع الشك باليقين في مسألة تمسكه بالكرسي وأنهى حالة الترقب وفسح المجال مشرعا للمؤتمرين لاختيار قيادتهم في المؤتمر الاستثنائي الذي سيكون بتاريخ 26 من الشهر الجاري.
والأكيد أن موقفه هذا، ستتم قراءته من عدة جوانب وحسب موقع كل واحد والمسافة التي تفصله عن صاحب الموقف، فهناك من سيجعل إعلانه بعدم الترشح لولاية جديدة، بمثابة رضوخ منه وانتصار للحركة التصحيحية، وثمة من يراه محاولة للتهرب من تحمل المسؤولية وخوفا من سيف المساءلة، وهناك من سيقرأ الإعلان على أنه تعبير عن قيم ومبادئ ومعدن الرجل وعن نضجه السياسي وزُهده في المناصب وحرصه على رأب الصدع و تغليب المصلحة العليا على أي مصلحة أخرى.
وبعيدا عن سردية كل طرف، فإننا نرى من خلال ما أبان عنه السيد ميارة من استماتة في تشبثه بقيادة النقابة خلال السنوات الأخيرة وطريقة تدبيره لخلافات مكتبه التنفيذي وتمسّكه بالأمل إلى آخر لحظة، فإنه وجد نفسه مجبرٌ على التنحي في غياب تام لأي شروط وظروف تضمن أو حتى تحفز على الاستمرارية.
بل نزيد القول أن عملية “إسقاطه” لم تكن بالأمس القريب بعد تنامي قوة وحجة المعارضين له، بل لعل أول إشارة كانت هي يوم 11 أكتوبر من سنة 2024 حين استدعاه الأمين العام لحزب الاستقلال السيد “نزار بركة” إلى داره بالعاصمة الرباط، ليصدمه بخبر عدم ترشيحه لولاية ثانية على رأس مجلس المستشارين. وأن المنصب سيؤول لغريمه وصهره السيد “محمد ولد الرشيد” في النصف الثاني من الولاية التشريعية التي لم يُسمح له حتى بإكمالها.
حينها فهم الجميع أن إزاحة ولد ميارة كانت ثمنا لتوافقات بين نزار بركة وآل الرشيد والتي بموجبها تم إغلاق قوس التوتر والخلاف بين الأمين العام والعائلة القوية، وهناك من استشرف مبكرا أن تخلي أهل الرشيد عن ميارة في هذه المحطة سيكون له ما بعده، وهو ما حدث بالفعل، حيث سرعان ما تفجرت قضية توقيف الرئيس الجديد لمجلس المستشارين محمد ولد الرشيد لصفقة مالية تتجاوز المليار سنتيم كان قد وقعها سلفه ميارة، وفُهم منها أن هناك توتر مبطن بين الطرفين، و منذ ذلك الزمن توالت الضربات، حيث بدأت ارهاصات الانقلاب عليه بنقابة الاتحاد التي يشغل منصب كاتبها العام منذ تاريخ 17 يونيو 2017، حين التقط بعض أعضاء المكتب التنفيذي الإشارة بسرعة وأدركوا أن كاتبهم العام أصبح بدون نفوذ ولا غطاء وأنه فقد “الإسناد الرشيدي” المطلوب للاستمرار، وبدؤوا في الغمز واللّمز، ثم تطورت الأمور رويدا رويدا إلى إعلان صريح عن الانقلاب على الرجل من طرف ثلثي أعضاء المكتب التنفيذي وتعززوا بانضمام فريق النقابة بمجلس المستشارين.
هو مصير مشابه تماما لما وقع للسيد شباط سابقا، حيث تتأثر المواقع القيادية بالنقابة بما يُحاك في الحزب الأم، وتنعكس توافقات الحزب على تشكيلة النقابة، ويصعد هذا بفعل تفاهم هناك، ثم يتم إسقاطه من حيث لا يدري بضربة اتفاق ما..؟
ويبقى السؤال منتصبا: هل هي نهاية ميارة النقابة أم أنها نهاية ميارة السياسة كذلك؟
